ابن عربي
71
شجون المسجون وفنون المفتون
على موجود حيّ ناطق بالإرادة من غير شكّ . ولهذا أقسم الله تعالى « 1 » : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ، وهذه عبارة إنّما جازت على الإنسان من جهة « 2 » التّوقيف الّذي اضطررنا إليه ضرورة التّعريف ، ونفس المراد إنّما هو غير ذلك ، فالنّطق حجاب للنّفس من جهة « 3 » أنّه دالّ عليها لأمن جهة حلولها فيه ، إذ النّطق صفة لها ، وهو قائم بها ، والشّيء لا يحلّ في صفته ، أو يقوم بها ، فلا يجوز لعاقل أن يفهم من قول القائل : الإنسان هو المحجوب بالقوّة النّاطقة حلولا بحيث يجعلها جسما لروح ، أو إناء لريح ، بل بفهم المدلول من جهة أنّ النّطق فعل ظاهر لفاعل بالإرادة ، وكذلك احتجاب فاطر السّموات والأرض تعالى ممّا برأ ، بل « 4 » مرادنا بهذه العبارة دلالة على الصّانع لا حلول ، إذ المحسوسات أظهر للحسّ ، وأوقع في النّفس ، وأقرب إلى التّعريف ، ولهذا قال تعالى « 5 » : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، ولم يقلّ للسّموات ، أو لمن في السّموات ، وإن جاز أن يقال : إنّه تعالى في كلّ شيء من ذرّة أو خطرة ، لكن جواز دلالة على مبدع ، وافتقار إلى صانع ، إذ كلّ ذرّة باطنة أو ظاهرة ، شاهدة ذاتها على ذاتها ، بأنّ لها صانعا ، ولا شكّ أنّ الكتابة تدلّ على الكاتب ، ولكن ليس الكاتب في الكتابة بوجه ، ولا الكتابة في الكاتب ، إلّا بالقوّة الّتي هي غيهب هذا ، مع بعد المثل من الممثول [ 20 / ب ] لأنّه فوق طور العقول . وإذا كانت جزئيّات الكلّيات دالّة بأنواع الدّلالات على صانع في سائر الحالات ، وعلى افتقار مطلق إلى غنى مطلق أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ « 6 » ، فلا غرو من هذا الباب أن يقال : هو المحتجب بخلقه ، كما قلنا : إنّ الإنسان يحتجب بنطقه ، وإنّما جاز هذا
--> ( 1 ) سورة الذاريات : 23 . ( 2 ) في م : « من حيث جهة » . ( 3 ) في م : « من حيث » . ( 4 ) ليس في م . ( 5 ) سورة الأنعام : 79 . ( 6 ) سورة طه / 50 .